لبننة اليمن أم يمننة لبنان؟

الفوضى كعدوى متنقلة بين البلدان العربية
عمار الأشول
September 1, 2020

لبننة اليمن أم يمننة لبنان؟

الفوضى كعدوى متنقلة بين البلدان العربية
عمار الأشول
September 1, 2020
By: VENTO - MW

منذ أن دخل اليمن في أزمته السياسية، بدءًا بأحداث 2011، والصدام العسكري الذي تزامن معها أو أعقبها بين النظام والمعارضة، وصولًا إلى فشل مؤتمر الحوار الوطني، وما تبعه من انقسامات ومستجدات على الساحة اليمنية في سبتمبر/ أيلول 2014، وليس انتهاءً بتدخل "التحالف العربي" بقيادة السعودية والإمارات، الذي نتج عنه إفراز الكثير من التيارات، وولدت تحت يافطته العديد من الكيانات السياسية والعسكرية. على إثر كل ذلك ترددت مقولة بين الأوساط السياسية والثقافية، سواءً اليمنية أو العربية تقول: إن كل ما يجري هو في الطريق إلى "لبننة اليمن"، في إشارة إلى أن اليمن يسير نحو التقسيم المذهبي والمناطقي، ليخوض تبعًا لذلك حربًا أهلية لا تختلف عن الحرب الأهلية اللبنانية الممتدة ما بين 1975– 1990، فينتهي به المطاف بمبادرة خليجية أو عربية لحل أزمته تشبه اتفاق الطائف الذي جدّد صيغة المحاصصة.

لا شك أن "لبننة اليمن" تمضي، وما زالت في طريقها، خاصة مع استمرار الحرب منذ مارس/ آذار 2015، إلى يومنا هذا؛ حربًا بلا معنى وبلا نتيجة أو هدف، كل ما حققته هو في صالح اللاسلم واللادولة، وتفريخ المزيد من القوى التي تدّعي تمثيل اليمن واليمنيين، رغم أنها في حقيقة الأمر لا تمثل إلا نفسها. 

إن ما يجري في اليمن يمكن اعتباره حرب الجميع ضد الجميع، ومن المتوقع أن ينتهي بها المطاف إلى اتفاقية تشبه اتفاق الطائف، يعزز هذا الافتراض أن كل هذه الأطراف والقوى بعد أكثر من خمس سنوات من الحرب، لم تنتصر ولم تنهزم، وهو ما يهيِّئ لها الأرضية والقناعة بأن تقبل بنظام المحاصصة مثلما ارتضته قبلها القوى السياسية اللبنانية، سواء مع الانتداب الفرنسي أو عبر اتفاق الطائف، وهو الاسم الذي تُعرف به وثيقة الوفاق الوطني اللبناني، وتم إقراره بقانون في 22 أكتوبر 1989، منهيًا الحرب الأهلية في لبنان.

في المقابل، تتردّد بين الأوساط السياسية اللبنانية عبارة "يمننة لبنان"، سيّما بعد انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس/ آب 2020، الذي هز بيروت ولبنان، وما تبعه من انفجارات سياسية كثيرة؛ أبرزها استقالة حكومة الرئيس "حسان دياب" في 10 أغسطس/ آب، والتلويح من قبل بعض القوى السياسية بتدخلٍ فرنسيّ وتركيّ وحتى خليجيّ، بل إن البعض ذهب إلى توقيع عريضة تطالب بعودة الانتداب الفرنسي، فيما دعا آخرون إلى نزع سلاح حزب الله أو على الأقل "تقليم مخالبه".

كل هذه الأحداث والتطورات في لبنان تعيد إلى ذاكرة اليمني ما عاناه ويعانيه في اليمن، ولا يكمن التشابه فقط بقنبلة فجّ عطان التي هزّت العاصمة صنعاء بقرينتها نترات الأمونيوم التي هزت العاصمة بيروت، إنما بالانفجارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، سيّما مع الارتفاع غير المعقول للدولار مقابل الليرة اللبنانية، ما أدّى إلى تفاقم مستوى الفقر والبطالة في هذا البلد.
 

ثمّة مشتركات متعددة تجمع اليمني بأخيه العربي، لكن للأسف، بات الوجع أكثرها رواجًا، وصارت الحرائق أغلبها تذكيرًا

وبغض النظر عن التطورات المأساوية التي يشهدها البلدان، إلا أن ثمّة ترابط وجداني كبير بين صنعاء وبيروت، مثله مثل عِرق الوريد الذي يربط بين صنعاء ودمشق وبغداد والقدس وطرابلس، وكل عواصمنا ومدننا المقهورة، فما إن تتأثر مدينةٌ من هذه المدن أو تصيبها نازلة، حتى يشعر المواطن اليمنيّ بالوجع رغم أوجاع عاصمته الكثيرة والكبيرة، التي لا تكاد تنتهي حتى تبدأ من جديد.

كما أن ثمّة مشتركات متعددة تجمع اليمني بأخيه العربي، لكن للأسف، بات الوجع هو أكثرها رواجًا، وصارت الحرائق هي أغلبها تذكيرًا، أمّا رائحة الموت فهي من تطفو على السطح على الدوام، تصف ذلك وتبرهنه الكثير من الفواجع؛ أبرزها الأشلاء التي صعدت من جبل عطّان ومن مرفأ بيروت، لتلتقي في السماء، مكوّنةً الشخصية العربية المقهورة من أنظمتها، والموجوعة من أمراء الحرب والفيد والسلاح.

ليس غريبًا على اليمنيّ هذا التضامن، ولا على اللبنانيّ أيضًا، فنحن هنا كما قال الشاعر اليمني عبدالرحمن الخضر: «نكتبُ عن بيروت، وعن غنائها الذي يضمّخ البيوت، وعن جنوبها الذي يعيش في ضلوعنا فلا يموت». لكن ما يؤلم حقًّا، هو اضطرارنا في أحيان ومواضع كثيرة إلى المقارنة بين أوجاع اليمن وأوجاع لبنان، بين الحرب هنا والصراع هناك، بين الفساد السياسي في البلدين وانعكاسه على المجتمعَين اليمنيّ واللبنانيّ، وليس أخيرًا تلك الاتفاقات التي ترحّل الأزمات وتعلّقها بدلًا من أن تحلّها. كلُّ ذلك يعيدنا إلى الأديب اللبنانيّ الراحل "أنسي الحاج"، الذي أوجز واقعنا المؤلم بقوله: «ليتنا لم نعِش لنُقارِن، ليتنا وُلِدنا في زمنِ الانحدار، كي نرى كلَّ هذا الهبوطِ صعودًا».


•••
عمار الأشول

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English